عبد الوهاب الشعراني
256
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
فإن قال قائل : فمن أين عرف « 1 » الأولياء هذه العلوم وليسوا بالأنبياء « 2 » ؟ فالجواب أنّهم يعرفون ذلك بالكشف الصّحيح ، فيكشف اللّه - تعالى - عن قلبهم « 3 » الحجاب ، ويصفّي باطنهم من الكدورات ، فيرتسم في قلب أحدهم جميع ما يقابله من الوجود العلويّ والسّفليّ ؛ كالمرآة المصقولة الكرة إذا علّقت بين السّماء والأرض تحكي كلّ ما قابلها من الجهات السّتّ ، ويصير صحيح البصر « 4 » يحكي الوجود كلّه على التّفصيل ، ومن هنا كان الشّيخ أبو العبّاس المرسي « 5 » يقول لأصحابه : أيّكم أطلعه اللّه - تعالى - على كلّ نطفة نزلت في رحم ، أو ورقة ، أو ثمرة خرجت من عود ، أو نبات خرج من الأرض ، فيقولون : لا ندري ، فيقول : ابكوا على قلوب محجوبة عن الملك والملكوت « 6 » . وقد كان سيّدي إسماعيل الأنبابيّ يقول « 7 » : رأيت في اللّوح المحفوظ كذا وكذا ،
--> ( 1 ) " ك " ، " ز " : " عرفوا " على لغة " أكلوني البراغيث " . ( 2 ) " د " ، " ك " : " بالأنبياء " ، " ز " : " بأنبياء " . ( 3 ) " ك " ، " ز " : " قلوبهم " . ( 4 ) " ب " : " ويصير البصر " . ( 5 ) " ك " ، " ز " : " رضي اللّه عنه " . وهو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن عمر المرسي ، فقيه متصوف ، من أهل الإسكندرية ، لم يضع كتابا قط ولا رسالة كشيخه الشاذلي ، فقد كان يقول : هذه علوم لا يحمل فهمها عموم الخلق ، والكتاب يقع في أهله وغيرهم ، فكتبنا أصحابنا . توفي سنة ( 686 ه ) ، من كلامه : ربما دخل في طريق الرجل بعد وفاته أكثر مما دخل في حياته ، فما بين أظهر الناس لا يلقون إليه بالا ، وكذلك : لو حجب عني رسول اللّه طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين ، وكذلك : من أحب الظهور فهو عبد الظهور ، أو الخفاء فهو عبد الخفاء ، ومن كان عبد اللّه فسواء عليه أظهره أم أخفاه ، وكذلك : رجال الليل هم الرجال ، وكلما أظلم الوقت قوي نور الولي ضرورة . انظر ترجمته : ابن عطاء اللّه السكندري ، لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس المرسي وشيخه الشاذلي أبي الحسن ، والصفدي ، الوافي بالوفيات ، 7 / 173 ، والشعراني ، لواقح الأنوار ، 2 / 457 ، والمقري ، نفح الطيب ، 2 / 190 ، والمناوي ، الكواكب الدرية ، 2 / 338 ، والكوهن الفاسي ، طبقات الشاذلية الكبرى ، 61 ، والنبهاني ، جامع كرامات الأولياء ، 1 / 465 ، والزركلي ، الأعلام ، 1 / 186 ، وعمر كحالة ، معجم المؤلفين ، 1 / 241 . ( 6 ) " ب " : " الملكوت " ساقطة . ( 7 ) " أ " : " المبنوني " ، وهو تصحيف ، " د " ، " ب " : " المتبولي " ، وليس ذلك كذلك ، بل الصواب ما ورد في " ب " و " ز " ، أما ترجمته فهو إسماعيل بن يوسف الأنبابي العارف الولي الشهير ، كان والده من أعيان جماعة الشيخ أحمد البدوي ، ولما دخل طريقه أمره أن يقيم بأنبابة ، فأقام بها ، فأقبل عليه -